جيرار جهامي ، سميح دغيم
2614
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
عن فهم آخر يقتضي أن تضع كل واحد من الناس موقعه المناسب في الطبقة التي تخصّه . فالأخسّاء والعبيد لا يتساوون مع الأسياد ، والتساوي إن حصل أدّى إلى قلب المجتمع رأسا على عقب . ومع أن أفلاطون تحدّث عن الطبقية في مجتمعه ، وعن كيفية تشكّل السلطة وتشكّل الطبقات ، وأرجع ذلك إلى برنامج تربية وتعليم يلزم عنه فرز الطبقات ، إلّا أنه أصرّ على أن المساواة هذه تعود إلى قدرات الأشخاص التي تميّزهم بعضهم عن بعض . لقد تابع الفارابي في كتابه « آراء أهل المدينة الفاضلة » التوجّه نفسه في التقسيم الطبقي ، لكن التقسيم هذا عنده يلزم عن فطرة خلق الناس عليها أصلا . فمن الناس من فطر أساسا على الخدمة ، ومنهم من فطر أساسا على الرئاسة . إن الطبقية عند الفارابي هي أمر طبيعي وضروري في المجتمع ، والمساواة تكمن في أن كل واحد يقوم بالمهام المنوطة به فطرة وطبعا . فالرئيس هو من اجتمعت فيه الفطرة أولا والاكتساب ثانيا . لكن مفهوم المساواة هذا أخذ بعدا آخر مع الماوردي ، بعدا يقرب من المفاهيم الحديثة والتي تقتضي أن يكون الراعي مثل الرعيّة مساويا لها في الحقّ والواجب ، بحيث يجري الأحكام بالمساواة على الخاصّة والعامّة . * في الفكر الحديث والمعاصر - تعتبر المساواة من المفاهيم الأساسية في الحداثة الاجتماعية والسياسية ابتداء من عصر الأنوار في أوروبا ، مرورا بعصر النهضة في الفكر العربي والإسلامي . ومفهوم المساواة أخذ بعده القانوني ، بحيث إن الجميع متساوون أمام القانون رؤساء ومواطنين عاديين . إن الذي يميّز المواطن عن كل أشكال التبعية الشخصية السابقة على الدولة الحديثة ، هو خضوعه لوجود قانون واحد تعارف عليه الناس أنفسهم ، ينطبق على الجميع في الحقوق والواجبات . هذا ما نادى به المفكّرون العرب في القرن التاسع عشر ، عشيّة تعرّفهم إلى الحياة السياسية الغربية ، وخصوصا الطهطاوي الذي نادى باعتناق مفاهيم الحرّية والمساواة والعدالة ، وبجعلها من المبادئ والأعراف الإسلامية ، والتي هي برأيه موجودة في التراث الإسلامي وإن بتسميات أخرى . لقد ركّز الطهطاوي في فهمه لأصول الاجتماع البشري على قضية الحقوق المدنيّة ، والتي تقوم على أساسين هما الحرّية والمساواة . ويعرّف الطهطاوي المساواة بإيراده أن سائر الفرنساوية مستوون قدّام الشريعة ، التي ضمنت لكل إنسان التمتّع بحرّيته الشخصية . يعتبر أديب إسحق من جهته أن المساواة هي الدعامة الأساسية لكل اجتماع إنساني والأصل لكل شريعة وناموس ، بل لنقل لكل قانون وضعي وحكومة نظاميّة . ولا يختلف كلامه هذا عن كلام أترابه في هذه المرحلة ، إلّا أنه يتميّز بكونه جعل المساواة نتيجة وليست سببا . هي نتيجة للحرّية التي يتمتّع بها الناس من حيث أنهم هم المؤسّسون للقوانين والنواميس التي تلغي التمايز بينهم . ويركّز أمين الريحاني أيضا على الفهم الوظيفي لمعنى المساواة ، بحيث إن المهمّ